محمد أبو زهرة
1870
زهرة التفاسير
الأماني جمع أمنية ، وهي ما يتمناه الإنسان ، ويرغب فيه ، ويحبه ، ولو لم يتخذ له أسبابه ، والضمير « 1 » في قوله تعالى : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ يعود على ما وعد به من عذاب وثواب ، والمعنى ليس ما ينزل بكم جزاء لما تعملون بالأمانى تتمنونها ، ولكن لمن الخطاب في قوله : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ؟ أهو للمشركين أم لعامة المسلمين ؟ في ذلك توجيهان : أحدهما - أن الخطاب للمسلمين ، والمعنى على هذا : ليس الأمر بما تتمنون أنتم معشر المسلمين وأهل الكتاب ، إنما بما تعملون ، فمن يعمل عملا لسوء نفسه أو غيره يجز به في الدنيا والآخرة ، ولا يجد له غير الله نصيرا ينصره ، أو وليا يعاضده أو يواليه في شره بل الجميع يبرأ منه ، ويزكى ذلك الوجه ما يروى عن قتادة ، لقد قال : ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا ، فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونحن أولى بالله منكم ، وقال المسلمون : نحن أولى بالله منكم ، نبينا خاتم النبيين ، وكتابنا يقضى على الكتب التي كانت قبله ، فنزلت الآية لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ . وقد يكون في هذا الوجه نظر ؛ لأنه يضع أهل الكتاب في موضع المؤمنين في الاحتجاج ، مع أن كلام أهل الإيمان هو الحق الذي لا شك فيه ، وفيه الإيمان بالكتب السابقة ، مع الكتاب الكريم . والوجه الثاني أن يكون الخطاب لمشركي العرب . ويكون في الكلام التفات فبعد أنه كان يتكلم عنهم بضمير الغائب « 2 » ، التفت وخاطبهم بضمير الخطاب تنبيها لهم وبيانا للحق ، وبيان أن العمل هو الذي يقدم صاحبه ويؤخره ، ويزكى هذا الوجه ما روى عن مجاهد شيخ مفسري التابعين فقد قال : « قالت العرب : لن نبعث ، ولن نعذب ، وقال اليهود والنصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، تلك أمانيهم » ، فكانت هذه الآية لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ردا على هذه الأوهام .
--> ( 1 ) المقصود بالضمير ، أي المستتر وهو اسم ليس . ( 2 ) أي فيما سبق من الآيات البينات قبل هذه الآية الكريمة .